فخر الدين الرازي

40

تفسير الرازي

المسألة الثانية : الزكي الطاهر من العيوب كلها ، قال : * ( أقتلت نفساً زكية ) * ( الكهف : 74 ) وقال : * ( قد أفلح من زكاها ) * ( الشمس : 9 ) وهذه الكلمة جامعة لكل ما يدعوه إليه ، لأن المراد هل لك إلى أن تفعل ما تصير به زاكياً عن كل مالا ينبغي ، وذلك بجمع كل ما يتصل بالتوحيد والشرائع . المسألة الثالثة : فيه قراءتان : التشديد على إدغام تاء التفعل في الزاي لتقاربهما والتخفيف . المسألة الرابعة : المعتزلة تمسكوا به في إبطال كون الله تعالى خالقاً لفعل العبد بهذه الآية ، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير ، أي لك سبيل إلى أن تزكى ، ولو كان ذلك بفعل الله تعالى لانقلب الكلام على موسى ، والجواب عن أمثاله تقدم . المسألة الخامسة : أنه لما قال لهما : * ( فقول له قولاً ليناً ) * ( طه : 44 ) فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق ، وهذا يدل على أنه لا بد في الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة ، ولهذا قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) * ( آل عمران : 159 ) ويدل على أن الذين يخاشنون الناس ويبالغون في التعصب ، كأنهم على ضد ما أمر الله به أنبياءه ورسله . * ( وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) * . ثم قال تعالى : * ( وأهديك إلى ربك فتخشى ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : القائلون بأن معرفة الله لا تستفاد إلا من الهادي تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا : إنها صريحة في أنه يهديه إلى معرفة الله ، ثم قالوا : ومما يدل على أن هذا هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل ؛ أمران الأول : أن قوله : * ( هل لك إلى أن تزكى ) * يتناول جميع الأمور التي لا بد للمبعوث إليه منها ، فيدخل فيه هذه الهداية فلما أعاده بعد ذلك علم أنه هو المقصود الأعظم من البعثة والثاني : أن موسى ختم كلامه عليه ، وذلك ينبه أيضاً على أنه أشرف المقاصد من البعثة والجواب : أنا لا نمنع أن يكون للتنبيه والإشارة معونة في الكشف عن الحق إنما النزاع في إنكم تقولون : يستحيل حصوله إلا من المعلم ونحن لا نحل ذلك . المسألة الثانية : دلت الآية على أن معرفة الله مقدمة على طاعته ، لأنه ذكر الهداية وجعل الخشية مؤخرة عنها ومفرعة عليها ، ونظيره قوله تعالى في أول النحل : * ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) * ( النحل : 2 ) وفي طه : * ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) * ( طه : 14 ) . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة . قال تعالى : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * ( فاطر : 28 ) أي العلماء به ، ودلت الآية على أن الخشية ملاك الخيرات ، لأن من خشي الله أتى منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شر ، ومنه قوله عليه السلام " من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل " .